مقالات شهرية

د. يوسف الحسن
رسامون كبار خلَّدوا في لوحاتهم الفنية مناهضتهم لويلات الحروب وأهوالها، وجسدوا بشاعتها وقسوتها، وشكلت أعمالهم الفنية شهادات تاريخية، واحتجاجاً سياسياً وأخلاقياً ضد وحشية الحرب، حينما تدمر البشر والشجر والتراث وسبل الحياة.

وشكل الفن التشكيلي، عبر العصور، أداة مهمة من أدوات التوثيق للأحداث الكبرى من الصراعات والحروب، والعنف الوحشي.

وسجل فنانون أوروبيون، وبخاصة الألمان منهم، لوحات فنية لمذابح الحرب العالمية الأولى (عشرة ملايين قتيل). لوحات شهيرة نظرت إلى الحرب بوصفها «صَلْباً» للإنسان المعاصر، يماثل ذلك «الصَلْب» في العقيدة المسيحية، الذي كان مصيراً للمسيح عيسى بن مريم، عليهما السلام.

لوحات فنية عديدة عبَّرت عما لحق بمدينة درسدن في شرق ألمانيا (تلك المدينة التي لا تزيد مساحتها على مساحة قطاع غزة) من دمار ودماء وقسوة، حينما قصفتها قوات التحالف البريطاني - الأمريكي بنحو أربعة آلاف طن من القنابل شديدة الانفجار في ليلتين من منتصف فبراير/شباط 1945 (وكانت الحرب على وشك التوقف) وقتل من سكانها أكثر من ثلاثين ألف شخص، ودمرت وسائل النقل والمواصلات، والكنائس والبنية التحتية والجسور ومناطق صناعية، وقصور (من روائع الفن المعماري). ونشبت خلال القصف عاصفة نارية التهمت مركز المدينة.

لوحات فنية أخرى سجلت هول حروب وصراعات في أكثر من مكان في العالم، وكانت صرخات غضب إنساني على مجازر وإبادة قاسية للحياة جرت في مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها من عقود.

ومن أشهر اللوحات العالمية، والأكثر شعبية وانتشاراً لوحة «غيرنيكا» للرسام الشهير بابلو بيكاسو، المولود في مالقة بجنوب إسبانيا عام 1881، والذي قالت عنه أمه ذات يوم: «إذا عملت جندياً، فستصبح جنرالاً، وإذا كنت راهباً، فستصبح بابا الفاتيكان».

وتعتبر هذه اللوحة أشهر عمل فني في القرن العشرين، وترمز إلى بشاعة الصراعات البشرية.

وكانت القرية الإسبانية غيرنيكا في إقليم الباسك، قد تعرضت إلى قصف جوي نازي (ألماني - إيطالي)، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية في إبريل/نيسان 1937، ودام القصف نحو ساعتين أو ثلاث (كم يا تُرى دام قصف غزة؟). وكانت هذه القرية مأهولة بالنساء والأطفال، في حين أن رجالها كانوا غائبين، ومنخرطين بالقتال ضمن المقاومة الجمهورية المناهضة للفاشية.

دمَّر القصف المنازل والجسور وأنابيب المياه، وأشاع الرعب، واغتال «حق الإنسان» في الحياة.. وقتل نحو ألفي شخص.

عمل الفنان الشهير بيكاسو على رسم اللوحة الجدارية «غيرنيكا» في الأسابيع التالية لعملية القصف، مستلهماً رموزاً دينية مسيحية، وقيل إنه رسمها أثناء وجوده في فرنسا، واشترتها منه الحكومة الإسبانية، ونظّمت للوحة الجدارية جولات في عدد من المدن الأوروبية، طوال السنتين اللتين سبقتا نشوب الحرب العالمية الثانية.

رُسمت اللوحة باللونين الأبيض والأسود، وضمت حصاناً متسع العينين من الفزع، وجندياً ملقى على الأرض وبيده سكين، وجثامين مشوهة، وأماً تحمل طفلها الميت، وثوراً يجسد وحشية ما حدث، وفي سماء اللوحة يلوح بصيص أمل.

عُلّقت نسخة من هذه اللوحة على أحد جدران الأمم المتحدة في نيويورك، وتم تغطيتها لإخفائها عن العيون بعد إعلان الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، تعبيراً على رفض الحرب، وعجز الأمم المتحدة عن منع حدوثها.

فنان تشكيلي آخر، هو بيترهوسون من استكلندا، وثق في لوحة شهيرة له الإبادة الجماعية في البوسنة، بعد زيارته لها في يوليو/تموز 1995، أثناء الحرب، وأطلق عليها لوحة «مذبحة سربرنيتسا» وراح ضحيتها نحو تسعة آلاف مسلم.

لوحة فنية أخرى أبدع خطوطها الرسام الشهير إسماعيل شموط، وهو لاجئ فلسطيني في خان يونس. وقد رسمها في عام 1997، وأسماها لوحة «الاقتلاع من اللد والرملة».

ولوحة فنية زيتية مُعبرة رسمها الفنان العراقي المهاجر في لندن ضياء العزاوي، وعبَّرت بشكل بارع عن مذبحة «صبرا وشاتيلا»، وقد رسمها في عام 1983، وعرضت لأول مرة في الكويت، وتكرر عرضها في معارض كثيرة، ولعلها الآن موجودة في قاعة «تيت مودرن» في لندن منذ عقد من الزمان، وقد عرضت بعض أعماله في متاحف عربية، ومن بينها «مؤسسة بارجيل للفنون» بالشارقة.

يعكس تفاعل الفنان مع اللحظات المفصلية في التاريخ موقفه كمثقف من النواحي الفنية والأخلاقية والإنسانية.

.............

لوحات أيقونية خالدة من أجل السلام العادل.

واليوم، لم تعد اللوحة تتسع لهول ما حدث ويحدث في غزة.