المرأة وإعادة إنتاج الاستقرار المجتمعي في زمن الأزمات الجيوسياسية
الأستاذة الدكتور أماني غازي جرار
في كل عام، وفي الثامن من آذار، يحتفل العالم بيوم المرأة العالمي، وهو يوم لا يقتصر معناه على الاحتفاء الرمزي بإنجازات المرأة، بل يمثل لحظة تأمل عالمي في موقع المرأة داخل منظومة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم. ففي زمن تتكاثر فيه الأزمات الجيوسياسية وتتسارع فيه الصراعات العسكرية والاقتصادية، يبرز سؤال جوهري حول دور المرأة في حماية المجتمعات من الانزلاق نحو الهشاشة، وفي إعادة إنتاج الاستقرار الاجتماعي بوصفه شرطاً ضرورياً لبقاء الدولة وتماسكها.
لقد أصبح الاستقرار في القرن الحادي والعشرين مفهوماً مركباً لا يقتصر على الأمن العسكري أو السياسي، بل يتصل بالبنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات. وفي قلب هذه البنية تقف المرأة بوصفها فاعلاً مركزياً في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية التي تحفظ التوازن داخل المجتمعات. فالأزمات الجيوسياسية، سواء كانت حروباً مفتوحة أو توترات إقليمية أو أزمات اقتصادية عابرة للحدود، لا تُقاس آثارها فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بمدى قدرتها على تفكيك النسيج الاجتماعي. وهنا تتجلى أهمية المرأة في قدرتها على إعادة ترميم هذا النسيج وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.
على المستوى العالمي، كشفت العقود الأخيرة عن تحول واضح في النظرة إلى دور المرأة في إدارة الأزمات والصراعات. لم تعد المرأة تُختزل في صورة الضحية التي تتلقى آثار الحروب، بل باتت تُنظر إليها بوصفها شريكاً أساسياً في بناء السلام والاستقرار. وقد جاء هذا التحول نتيجة تراكم الخبرات الدولية التي أثبتت أن مشاركة النساء في عمليات السلام وفي المؤسسات السياسية تزيد من فرص الوصول إلى تسويات أكثر استدامة.
في مناطق عديدة من العالم، من أفريقيا إلى أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، لعبت النساء أدواراً محورية في الوساطة المجتمعية وفي إعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات. فالمرأة غالباً ما تمتلك قدرة استثنائية على بناء الجسور الاجتماعية وعلى استعادة الحوار بين الأطراف المتنازعة. ويعود ذلك إلى موقعها الاجتماعي الذي يربط بين العائلة والمجتمع المحلي والمؤسسات المدنية، مما يجعلها قادرة على التأثير في مسارات التهدئة وإعادة بناء الثقة.
كما أن حضور المرأة في مواقع صنع القرار بات يُنظر إليه بوصفه أحد مؤشرات النضج الديمقراطي والاستقرار السياسي. فالمجتمعات التي تتيح مشاركة أوسع للنساء في الحياة العامة تكون أكثر قدرة على إدارة التنوع الاجتماعي وأكثر استعداداً لمواجهة الأزمات بطريقة تشاركية تقلل من احتمالات الانفجار الاجتماعي.
في العالم العربي، يكتسب الحديث عن دور المرأة في الاستقرار المجتمعي أهمية خاصة في ظل البيئة الجيوسياسية المعقدة التي تعيشها المنطقة. فمنذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، شهدت المنطقة سلسلة من الأزمات العميقة، من الحروب الأهلية إلى النزاعات الإقليمية إلى التحولات الاقتصادية الكبرى. وقد تركت هذه التحولات آثاراً مباشرة على المجتمعات العربية، حيث تزايدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وتفاقمت تحديات التنمية والاستقرار.
وسط هذه الظروف، ظهرت المرأة العربية بوصفها أحد أهم عناصر الصمود الاجتماعي. ففي كثير من المجتمعات التي تعرضت للصراعات، اضطرت النساء إلى تحمل مسؤوليات اجتماعية واقتصادية جديدة، فأصبحن معيلات للأسر ومشاركات في العمل المجتمعي والتنظيم المدني. ولم يكن هذا الدور مجرد استجابة ظرفية للأزمات، بل تحول تدريجياً إلى عنصر فاعل في إعادة بناء المجتمعات.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في حضور المرأة العربية في مجالات التعليم والعمل العام والعمل التطوعي. هذا التوسع لا يعكس فقط تحولات اجتماعية داخل المجتمعات العربية، بل يشير أيضاً إلى إدراك متزايد لأهمية إشراك النساء في عملية التنمية والاستقرار. فالمرأة، عندما تكون جزءاً من عملية صنع القرار الاجتماعي، تصبح عاملاً في تخفيف التوترات وفي تعزيز قيم الحوار والتسامح داخل المجتمع.
وفي الحالة الأردنية، يتجلى دور المرأة في الاستقرار المجتمعي بصورة واضحة، خصوصاً في ظل البيئة الإقليمية المضطربة التي تحيط بالمملكة. فقد واجه الأردن خلال العقود الأخيرة تحديات إقليمية معقدة، من الحروب في الدول المجاورة إلى موجات اللجوء الكبيرة إلى الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التحولات الإقليمية. ومع ذلك، استطاع المجتمع الأردني الحفاظ على درجة عالية من التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.
في هذا السياق، لعبت المرأة الأردنية دوراً مهماً في تعزيز هذا التماسك. فالمرأة في الأردن لم تعد حاضرة فقط في إطار الأسرة، بل أصبحت فاعلة في مجالات التعليم والعمل المدني والعمل السياسي. وقد ساهمت هذه المشاركة في تعزيز قدرة المجتمع الأردني على مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي ترافق الأزمات الإقليمية.
كما أن المرأة الأردنية لعبت دوراً مهماً في العمل المجتمعي والتطوعي، خصوصاً في المبادرات التي تستهدف دعم الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع. وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة، ساهمت النساء في إطلاق مبادرات مجتمعية تهدف إلى دعم الأسر وتعزيز روح التضامن الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى، شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في حضور المرأة الأردنية في الحياة العامة، سواء في البرلمان أو في المؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص. هذا الحضور لا يمثل فقط تقدماً في مسار تمكين المرأة، بل يعكس أيضاً إدراكاً وطنياً بأن الاستقرار المجتمعي لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة حقيقية للنساء في إدارة الشأن العام.
إن إحدى أهم خصائص دور المرأة في المجتمعات المعاصرة تكمن في قدرتها على ممارسة ما يمكن تسميته بالقوة الناعمة للاستقرار. فهذه القوة لا تعتمد على أدوات السلطة التقليدية، بل تقوم على بناء الثقة الاجتماعية وتعزيز قيم التضامن والتعاون داخل المجتمع.
في زمن الأزمات الجيوسياسية، تصبح هذه القوة ذات أهمية استثنائية. فالمجتمعات التي تتعرض لضغوط خارجية أو لصراعات داخلية تحتاج إلى مصادر داخلية تعيد إنتاج التوازن الاجتماعي. والمرأة، بحكم موقعها داخل الأسرة والمجتمع، تمثل أحد أهم هذه المصادر.
كما أن دور المرأة في التربية والتعليم يساهم في تشكيل الأجيال الجديدة على قيم الحوار والاعتدال والتعايش. وهذه القيم تشكل بدورها الأساس الثقافي للاستقرار طويل المدى، لأنها تقلل من احتمالات الانزلاق نحو التطرف أو العنف الاجتماعي.
في النهاية، يكشف النظر في التجارب العالمية والعربية والأردنية أن المرأة ليست مجرد طرف في معادلة الاستقرار المجتمعي، بل هي أحد أعمدته الأساسية. ففي زمن تتزايد فيه الأزمات الجيوسياسية وتتداخل فيه التحديات الاقتصادية والسياسية، يصبح دور المرأة في إعادة إنتاج الاستقرار أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الإنجازات، بل يجب أن يكون مناسبة للتفكير في مستقبل أكثر توازناً تشارك فيه المرأة بفاعلية في صنع القرار وفي بناء المجتمعات. فالمجتمعات التي تفتح المجال أمام طاقات النساء لا تعزز العدالة الاجتماعية فحسب، بل تبني أيضاً أسساً أكثر صلابة للاستقرار والسلام.
وفي عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، قد يكون الاستثمار الحقيقي في المستقبل هو الاستثمار في طاقات النساء وقدرتهن على إعادة إنتاج الاستقرار الاجتماعي وصيانة تماسك المجتمعات في مواجهة العواصف الجيوسياسية.