EN | AR
تداعيات التوتر التركي-الهولندي وكشف المخفي!
الثلاثاء, مايو 2, 2017
د. عبدالإله بن سعود السعدون

العلاقات التركية الأوروبية تتسم بالأجواء المتغيرة الزئبقية، فقد مضى أكثر من نصف قرن على إعلان تركيا رغبتها في الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، ولكن تأتي الإجابة الأوروبية دائماً بتحري الدراسة والبحث لأفضل المناخات الملائمة لفتح بوابة البيت الأوروبي للمشارك الجديد الذي يطلب منه تطبيق مطالب أوروبية بشأن حالته الدستورية وتوازن العلاقة بين نسيجه الاجتماعي المتنوع القوميات والأعراق حتى أصبح الهاجس الأوروبي عاملاً مشتركاً في مسببات كل الأحداث السياسية التي عاشتها تركيا منذ أول يوم سلمت فيه طلبها للمشاركة في الاتحاد الأوروبي.
وهناك دول عديدة لا تقارن أهميتها المحورية بمكانة تركيا إقليمياً ودولياً تم قبول انضمامها خلال فترة قياسية ومع مجرد انعقاد جلسة دورية لمجلس أمناء الاتحاد مثل ليتوانيا ولاتفيا وكرواتيا والمجر ومالطا حتى بلغ عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي ثماني وعشرين دولة وتركيا مطلوب منها إجراء أكثر من مائة تصحيح دستوري في مسائل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتوازن العرقي والديني وغيرها من الشروط التعجيزية لعرقلة سير العربة التي تقودها نحو البوابة الأوروبية بدون تأشيرة دخول! 
الاستفتاء الشعبي الذي فرضه الدستور التركي لإجراء التغيير في نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي والذي تبناه حزب العدالة والتنمية مدعوماً من أحد أحزاب المعارضة (حزب الحركة الوطنية) ويهدف هذا التغيير الدستوري الى جعل قمة السلطة بيد رئيس الجمهورية وهو الذي يختار وزراءه ومساعديه من خارج البرلمان ولا يحتاج إلا منحهم الثقة عن طريق التصويت الجزئي لكل وزير بحسب نوع مهماته، ويلغى منصب رئيس الوزراء، وهو شكل لنظام تركي جديد يجمع ما بين النظم الرئاسية الأوروبية والأمريكية، والذي تخشاه المعارضة هو تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد رئيس الجمهورية وسحب الرقابة السياسية والإدارية عن البرلمان، ويبقى فقط لسن القوانين المقترحة من رئاسة الجمهورية، وأعلن زعيم المعارضة كمال قليج أوغلو أن حزبه (الشعب الجمهوري العلماني) الذي أسسه كمال أتاتورك سيصوت بـ(لا) على الدستور الجديد...
الجاليات التركية في أوروبا تشكل رقماً مهماً في ترجيح قبول هذا التغيير الجديد والذي يعلق عليه الحزب الحاكم آمالاً عريضة لتثبيت واستمرارية حكمه بتحول جديد يعطي حرية أوسع لاتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية في فترة قياسية لتحريك عجلة التنمية وأن تبلغ الجمهورية التركية في عيدها المئوي عام 2023م مصاف الدول المتقدمة أوروبياً ودولياً.. وهذا الهاجس ترجم أوروبياً مع تزامن الحملات الانتخابية في دول وسط أوروبا، وتفتحت بذور الأزمة الهولندية التركية مع حزمة من الأخطاء الدبلوماسية التي اقترفتها الحكومة في أمستردام بمنع فعاليات الجالية التركية المزدوجة الجنسية المؤيدة للتغيير الجديد والمرحبة بالنظام الرئاسي بطريقة بوليسية وحشية غير مسبوقة، ورافق ذلك منع وزيرة شؤون المرأة التركية من دخول الأراضي الهولندية وإعادتها إلى الحدود الألمانية بمعاملة لا تليق بوزيرة دولة (صديقة)، وزاد الطين بلّة قرار وزارة الخارجية سحب ترخيص هبوط الطائرة المقلّة لوزير الخارجية جاويش أوغلو الذي توجه لإلقاء كلمة في احتفال جماهيري معلن مسبقاً في أمستردام بناءً على طلب الجالية التركية في هولندا والتي يقارب عددها المليون تركي مزدوج الجنسية، وقد كشف زعيم الحزب اليميني الهولندي خيرت فيلدرز المعروف بعنصريته المتطرفة المعادية لكل الأجانب في هولندا بمقولته العدائية «رسالتي للشعب التركي أنكم لن تكونوا أوروبيين ولن تشاركوا في الاتحاد الأوروبي أبداً، فالشعوب الأوروبية لا تريدكم معنا في مجتمع واحد لأنكم مسلمون لا تحترمون الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان»، وأفصح بإعلان أوروبي صريح: أتمنى أن يفهمه كل الساسة الأتراك أولاً والعالم الإسلامي بإدراك أوسع.
التوتر الهولندي التركي تمدد الى شمال أوروبا حيث أعلنت السويد والدنمارك وبلجيكا تأييدها للإجراءات الهولندية وطالبت الرئاسة التركية بالاعتذار عن وصف الحكومة الهولندية بالنازية والفاشست وجمهورية الموز!!
كما أن الحكومة التركية طالبت المجتمع الأوروبي والدولي باتخاذ إجراءات جزائية ضد حكومة هولندا لخرقها الأعراف الدبلوماسية وعدم مراعاتها حسن العلاقات بين البلدين ومعاملة الجالية التركية بوحشية بعيدة عن كل أسس الديمقراطية لمواطنين ينتمون الى دولة هولندا ويحترمون مصالح الدولة الأم تركيا.. والذي يعرف الشعب التركي يدرك حالة الغضب والهيجان الشعبي الذي اجتاح شوارع إسطنبول ضد إجراءات هولندا وزحف الجماهير الغاضبة نحو القنصلية الهولندية وإنزال العلم الهولندي ورفع العلم التركي بدلا منه على ساريته.
يتفق كافة المحللين الأجانب في الدول الأوروبية على أن تداعيات هذا التوتر ستقود إلى أوضاع سلبية بشأن أمن أوروبا بأكملها، ولا بد من النظر بأهمية عالية الى الشعور الديني لأكثر من مائة وعشرين مليون مسلم تضمهم القارة الأوروبية، وأن إعلان هذا العداء العنصري سيؤدي إلى ردة فعل تكلف أمن واستقرار أوروبا الكثير، ولكن رب ضارة نافعة بالنسبة الى تركيا، فقد وطدت هذه الأحداث تماسك الوحدة الوطنية التركية بإعلان كل الكتل والأحزاب التركية تأييدها للحكومة وتفويضها باتخاذ كل الإجراءات المناسبة، وطالب زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض بقطع العلاقات التركية الهولندية وتقديم شكوى دولية ضد خرقها الأعراف الدبلوماسية والاعتداء على مشاعر المواطنين الأتراك.
الخشية من توسع الخرق في العلاقات التركية الأوروبية، وهي مهمة سياسياً واقتصادياً لتركيا، ولا بد من المعالجة العقلانية وتغليب الحكمة والإجراءات المستندة للقانون الدولي والابتعاد عن التشنج والعاطفة الشعبية، وسنرى في القريب اتجاهات تطور هذه الأزمة الظاهرة الباطنة والتي يرجح بصورة متوقعة ان تعيد تحريك بوصلة السياسة الخارجية التركية نحو اتجاهات بعيدة عن الفضاء الأوروبي.

{ عضو مجلس أمناء منتدى الفكر العربي. -- عضو الهيئة التأسيسية للحوار التركي العربي -- عضو هيئة الصحفيين السعوديين
alsadoun100@gmail.com 

 

Printer Friendly and PDF
تصميم وتطوير شركة الشعاع الازرق لحلول البرمجيات جميع الحقوق محفوظة ©